القاضي عبد الجبار الهمذاني
160
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الصحابة ؛ ولولا صحة ذلك لكان الوعيد من الرسول ، عليه السلام يكون في القرآن وتغييره ، كهو في الأخبار المنقول عنه ؛ وقد ثبت أنه ، صلى اللّه عليه ، توعد في الكذب بضروب من الوعيد ، ولم يؤثر عنه شيء من ذلك ، في القرآن ، لما كان محروسا عن التغيير ، قد تكفل اللّه تعالى بحفظه ، على ما ذكر تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . وعلى هذا الوجه يصح ما روى عنه ، من قوله : إذا بلغكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب اللّه ؛ ولو كان حكم الكتاب حكم سنته ، في أن التغيير يصح فيه لكان ذلك لا يصح . . فأما تعلقهم بأن الذين حفظوا القرآن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربعة أو خمسة ، على ما روى في هذا الباب فبعيد ؛ لأنّ الّذي روى في ذلك إنما هو : في الأنصار ، دون المهاجرين ، الذين كانوا يحفظون القرآن ؛ ولأن ذلك إنما أريد به من حفظ القرآن وانتصب للتعليم ، دون من حفظه ولم ينتصب لذلك . . يبين ما ذكرناه : أنه لم يذكر في هذا العدد كبار الصحابة ، كأبي بكر ، وعمر ، ولا ذكر أمير المؤمنين على ، في ذلك ؛ والعلم حاصل بتقدّمهم في حفظ القرآن ومعرفة أحكامه ؛ على أن القوم لجهلهم ظنوا أن نقل القرآن لا يصح على طريق التواتر إلا بالحفاظ ، وليس الأمر كذلك ، لأنه قد يعرف القرآن وينقله من لا يحفظ جميعه ، إذا كان المعلوم من حاله أنه يميزه من غيره ، لما يختص به من صفاته ؛ وهذا ظاهر فيمن ينقل الخطب ، والأخبار والسير ، أنهم قد ينقلون ذلك ويتواتر نقلهم ، وإن لم يسردوه حفظا ، إذا ميزوه من غيره ، عند استحضاره والنظر فيه ؛ وقد نجد الصبى الّذي لم يستكمل حفظ القرآن يعرف القرآن ، ويميزه من الأشعار وغيرها ، وإن لم يكن حافظا له ، فكيف يصح المنع ، من كون نقله